شبهات و بينات - عبدالباسط يحياوي

الأحد، 18 نوفمبر 2018

thumbnail

علّة التفاسير

  
           ﴿ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ(66) لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ(67) ﴾ الأنعام
المصحف ليس بكتاب تاريخ، ولكن ثلثه تاريخ والتعامل مع هذا القصص القرآني وفق المعطيات العلمية يرفع عن القارئ الكثير من الالتباس والشك فيما يخص التفاسير البعيدة كل البعد عما جاء به القرآن ودلالاته اللّفظية، وتصحيح ما جاء في كتب الأولين الذين حوّلوه الى خرافة مثله مثل بقية الخرافات اليونانية أو الهندية. فلا غرابة أن يتهمنا الأخرون بأن هذا الدين وهذه الرسالة السماوية ما هي إلا حكاية وروايات مقتبسة. فالتنزيل الحكيم كتاب الله المسطور والكون كتاب الله المنشور والتطابق بينهما هو ضرورة ايمانية وعلّمية فلابد أن نرى مصداقية كلام الله على أرض الواقع، لكن المشكلة هو فَهْمُ معظم المفسرين للقرآن والتعامل معه، فهم يقطعونه ويجزؤونه بمعنى العَضْوَدَةُ (تجزئة الذي لا يتجزأ) قال تعالى﴿ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91) ﴾الحجر.  وقال﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30) ﴾الفرقان. فلا يمكن فهمه من سورة أو آية واحدة أبدا، والنتيجة مفاهيم باطلة مثل الذي يأخذ ويل للمصلين أو لا تقربوا الصلاة أو وأنكحوا ما طاب لكم والأمثلة عديدة، وهذه مقتطعات تم شرحها وإفهامها للعامة والخاصة فهما مخالفا للنّص القرآني بحد ذاته وبالتالي حولوا فهمهم وتفاسيرهم الى معول لهدم الذكر الحكيم.
فبالقصص القرآني يمكننا معرفة تطور التاريخ الانساني وما نتج عنه من معرفة نتيجة التفاعل الانساني ما بين الإلهي (العقيدة) و التشريعي (سلوكي) فالدارس والباحث يقف أمام العديد من المواضيع في التنزيل الحكيم ويصل الى نتائج مغايرة لما هو سائد، وأن يتم اتهامه بردّ ما هو معلوم أي بإنكار النص القرآني فالمسألة ليست كذلك بل هي اختلاف في المفاهيم والصحيح من استطاع أن ينزّل فهمه على أرض الواقع بشكل منسجم وذلك وفق المفهوم اللساني ومنظومة التنزيل الحكيم دون تجزئته وتقطيعه.فنحن حين نختم أية سورة أو أية آية نقول صدق الله العظيم لذا لابد لنا بأن نرى مصداقية كلام الله على أرض الواقع.
فالقرآن أحداث حدثت في الماضي السحيق ابتداء من خلق الكون والبشر وتطوره ... مرورا بقصص الأنبياء والأقوام وما سيحدث في المستقبل، كيوم القيامة والجنة والنار...  فهو نبوءة سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين علما أن هناك سور وآيات تصنّف ضمن القصص القرآني المحمدي، مثل سورة التوبة ومحمد ، والقصص القرآني تؤخذ منه العِبَرْ وليس الأحكام فأين تكمن العلّة وراء ذلك؟  :
  • انتشار ظاهرة الترادف بين معظم المفسرين والباحثين وهي إمكانية تبديل كلمة بكلمة أخرى مثل (أب = والد أو الاسراف = التبذير أو جاء = أتى...) دون أن يتغير المعنى، فهذا بحد ذاته عمل ينّم عن جهل وعدم الاكتراث وعبثي يتلف صياغة المصحف.
  • اعتمادهم على الإسرائيليات (التوراة) في تفسيرهم لمعظم القصص القرآني وهي مسألة في غاية الخطورة فتحول التنزيل الحكيم الى مجرد كتاب للتجويد بمناسبة أو بدون مناسبة والتوراة للتدبر وبذلك نجح اليهود في تحريفه من حيث الفهم والدراسة، ومن سار في دربهم وتأثر بأفكارهم التي جعلوها من الدين. 
  • التشبث بالموروث من تفاسير وفقه وروايات خرافية والناسخ والمنسوخ وهو الخطر الكبير وأشد ضراوة في تخريب التنزيل الحكيم من الداخل وبالتالي الدين ككل بسبب القراءة السطحية ومن اتّبع منهجهم من المحدثين وجعلها هي الحقيقة المطلقة والإعتقاد الصحيح في اجتهاد الآباء وآرائهم إلى حد يبلغ القداسة ونقد ذلك يعتبر نقد لجوهر الدين الاسلامي وبالتالي تكفيرك ... وهذا هو الطغيان.
  • عدم توظيف المعرفة اللغوية لفهم ترابط النص والألفاظ وضرورة وجود معنى مفهومي واحد لكل المشتقات، التي جرى اشتقاقها من جذر لغوي واحد لتكوين المعنى المحدد المراد والمشار اليه في النص.فقد حكم سلف اللغويين على أن في التنزيل الحكيم فيه مثلا أحرف زائدة وأخضعوا معانيه الفريدة في أسلوبه، أخضعوه لأسلوبهم وأهوائهم فضاعت معاني الآيات.، فالدقة في ألفاظه بهذه الطريقة وتراكيبه لها معاني لأن الأصل هي الفكرة وليس جمالية النص والأوائل الذين فسّروا التنزيل الحكيم معضمهم أعاجم تعلموا اللّغة العربية  ولم يكونوا يفهمونها على السليقة ( الفطرة) كالعرب ، وهكذا جيلا بعد جيل تراكم الفهم المبني أساسا على عدم فهم باللّغة العربية (قواعدها ونحوها وصرفها وبلاغتها).
  • عدم الالتزام بفكرة أنَّ الأحداث (المعجزات) أينما وقعت ومتى وقعت فإنَّها لا بدَّ أنْ تكون مبنية على نفس الأسس المنطقية والواقعية التي نراها في حياتنا المعاصرة دون المساس بثوابت القوانين الالهية التي تعارف الناس على جريانها بطرق محددة، فالمعجزة التي يُنظر إليها على أنَّها معجزة في زمان وقوعها تصبح معجزة في زمن لاحق أيضا عندما نجد التفسير العلمي المناسب لها فتثبت لنا عند فهمها أنَّ ورائها الله تعالى وقوانينه الثابتة العصيِّة على الاختراق. ففهمنا لهذه الأحداث فهما منطقيا (الآيات العظمى) لا تخالف العقل ولا أمر الله ونظامه في الكون.
  • البحوث السابقة للتفاسير والفقه تعاني خللا وبالتالي وجب اتباع منهج الشك المبني على العلم ( الشك المنهجي) وليس الريبة ، لأن الارتياب بعد ظهور الحقيقة أما الشك المنهجي فقبل ظهور الحقيقة فالبحث العقلاني لا يعترف بالمجاملات.
ففي التنزيل الحكيم الكثير من الآيات التي تحثّ على التعقّل والتفكّر، ومن بينها القصص القرآني كما أن الاكتشافات العلمية تساعدنا على فهم القرآن، وقد توصل الأوروبيين إلى فهم مسألة بدء الخلق وتطوره باختراع الكثير من التجهيزات التي ساعدتهم على المعرفة، وعلى التطور العلمي والطبي الهائلين. أما عندنا فالتعليم ببغائي، تعليم غير قادر على الإبداع رغم وجود قلة قليلة من المفكرين والباحثين الذين وضعوا يدهم على الجرح ولكن المشكلة تم اقصائهم بعدة طرق وبالتالي أصبحنا نفوّض إلى الآخرين التفكير عنا، ونأخذ ما قالوا دون مناقشة... لأن فكرنا التراثي مبني على الثقة السماعية لا على الحجة العقلية.
فما توصل اليه العلم في مختلف المجالات وبخاصة الأركيولوجيا يساعدنا على فهم القصص القرآني ويقرب لنا الصورة الحقيقية للأحداث الماضية مع العلم أن ما لم تظهره المكتشفات الأثرية والعلمية وما تحتويه الأرض من شواهد لم تكشف بعد، هو حافز لفهم بعض القصص الغامضة والمبهمة والأحداث (المعجزات) في التنزيل الحكيم.
فنحن نعيش في بداية القرن 21 وسقف معرفتنا تطور في جميع المجالات ويختلف عن السلف وعن زَيْد وعَمْر المتشبثين بهذا التراث (التفاسير والروايات والفقه....) فالتنزيل الحكيم يحثنا على البحث والتدبر في هذا الخلق وأحداث الماضي كما أن الخوض في هذه المسائل ونقد التراث من تفاسير وفقه ليس بحرام ولا يخرجك من الملّة كما يزعمون، نحن ملة سيدنا ابراهيم عليه السلام ملة مسلمة حنيفية دائما فيها تجدد والمتغيرة حسب الزمان والمكان وحسب الأحوال الاجتماعية والاقتصادية.... وهو متطابق تماما مع فطرة الناس التي تحمل تشابها كبيرا مع قوانين الطبيعة. لذا ربط الله قوله﴿ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾(30) الروم. أي طبائع الناس مربوط بقوانين الله (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه) وأن معظم الناس لا تعرف هذه الحقيقة عن الإسلام بأنه دين منسجم مع طبائعها ومع القوانين الإلهية معا وهنا تكمن أزمة الفقهاء والمفسرين الإسلاميين، الذين تناسوا أن مفاتيح فهم التنزيل الحكيم موجودة بداخله وأنه جاء لتصحيح جميع الأكاذيب التي دسها محرفي الكتب السماوية السابقة التي حاولوا إخفائها وتشويه ما جاء به النبي والرسول محمد عليه الصلاة والسلام.
هذا الفهم الجديد يعرّض المنظومة الدينية الحالية المنغلقة التي نعيشها والغير قادرة على انتاج انسان متحضر وعاقل ومتأقلم مع المتغيرات، الى زعزعتها وهزها من الداخل للتخلي عن الفكر النمطي الذي أفرز فكر يحث على كره الآخر وعلى احتكار الله وجنته وإلغاء الحياة والقفز فوقها لبلوغ الآخرة بعكس ما يأمرنا الله وهو بناء الحياة لبلوغ الآخرة.
عموما علينا التخلص من هذا الموروث الجاثم والقابع في أذهاننا وعدم الخوف، فالفرد علاقته مع الله وليس مع ما قاله الفقيه أو الشيخ أو الداعية فلان فهؤلاء لم يأتوا بجديد، فهو موروث بالي وقديم (التفاسير والفقه) بني على أساس صراع مذهبي وقبلي وسياسي من أجل السلطة ، قطّعت فيه رؤوس وهتكت فيه أعراض ... فقد بدأ تشويه الدين فعليا مع الأمويين  وذلك حينما استلموا السلطة وقالوا هذا قضاء وقدر من عند الله يعني أنه مكتوب سلفا أننا سنحكم وبالتالي هذا حق، من هنا بدأ التحريف وتشويه العقيدة  ولازال هذا موجود أنه كل شيء مكتوب، ثم جاء العصر العباسي ( عصر الفقهاء ) الذين تأثروا بالمسيحية وبكتابهم المقدس والذي هو عبارة عن سيرة ذاتية ليسوع ، ففيه قال الرب و قال يسوع ، من هنا بدأت الطامة الكبرى فظهر الحديث وحولوه الى وحي يضاهي التنزيل الحكيم وبدأ اللّعب بالدين وبالتالي بالعقول، وأولهم الشافعي الذي قال أن الحديث ( السنة) هي وحي إلهي معتمدا على آية فهمها فهما لا تليق بإمام ،﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4) ﴾ النجم . وهو من الناس الذين يؤمنون بالترادف في التنزيل الحكيم لأن خلفيته خلفية شاعر يتعامل مع القرآن وكأنه نص نثري أو شعري ووضع أسس الفقه  الذي يعتمد على الكتاب، السنة ، الإجماع وبالتالي تمّ إخراج وإفراغ الإسلام من التنزيل الحكيم ووضعوه في السنة وجعلوها مركز الإسلام مثل النصارى تماما، فيسوع لديهم هو مركز (الدين) المسيحي الى جانب الحواريين ولدى الفقهاء أن النبي هو مركز الإسلام الى جانب الصحابة الذين يعدّون بالمئات ، فقولهم وعدالتهم صحيحة الى جانب الشيوخ و الفقهاء لذا وجب الاقتداء بهم وعلى هذا الأساس تحول المجتمع ونمط حياته في بداية القرن السابع الى مجتمع متديّن أي أساسه الدين ولازال  هذا الفكر إلى حد الآن مهيمن في جل مجتمعات ملّة محمد ، ماذا لبست المرأة في القرن السابع هو من الدين ، اللّحية من الدين، المستوى الفني :الدف كأقصى حد ،هو من الدين ، الأكل الشرب ماذا قال المفسرون هو من الدين..... وبالتالي تجمدت الحياة وأصبح كل شيء يقاس على هذا النمط إلى يومنا هذا، لذا كل الفقه الإسلامي الذي وصلنا منذ القرن السابع والذي تحول إلى دين ليس له علاقة بالمصحف إطلاقا، وكما هو معلوم أن المجتمع المتدّين هو مجتمع متخلف والتدين هو نفاق.
ففي هذا المجال أردت أن أركزّ على بعض التفاسير (القصص القرآني) الى جانب بعض الآيات التي فسّروها ولازالت إلى حدّ الآن متشبثين بها مما حولت وعرضّت التنزيل الحكيم الى التشويه ونقده من طرف خصومه كما فتح الباب الى التشكيك فيه وأنه غير سماوي وأن الذي جاء به النبي هو دين يدعوا الى القتل والصلب ونفي الآخر وإخراجه من دائرة الإسلام. 
فالتنزيل الحكيم ليس كالتوراة ولا يجب أن يأخذ منه وكأنه مثلها، فالتوراة نزلت دفعة واحدة على موسى عليه السلام وأمر بأن يكتبها في ألواح، لأنها كتاب تشريع فقط. فالقرآن ما هو إلا جزء من المصحف أو الكتاب ككل، وهو في نفس الوقت نبوءة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام فبالقرآن نعرف أحداث الماضي، سواء كانت طبيعية كالخلق أو أحداث مستقبلية كيوم القيامة﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) ﴾الغاشية أو أحداث بشرية (القصص القرآني)﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ (15) ﴾النازعات، كل هذا ماهي إلا أنباء من الغيب وهي لم تخرج عن سياقها الطبيعي وهي كلها سارت ضمن قوانين الله، علما أن حياة النبي تدخل ضمن القصص القرآني، فهي أحداث غيبية بالنسبة لنا.﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111) ﴾يوسف. فالقصص القرآني نأخذ منه عبرة وموعظة وفي نفس الوقت يحثنا على البحث والتقصي ولا يأخذ منه أحكام تشريعية.

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ﴾العنكبوت20

Subscribe by Email

Follow Updates Articles from This Blog via Email

No Comments

About